ابن كثير

173

البداية والنهاية

القشيري فقال من هذا الرجل أراه عندكم أنكره ؟ قالوا محمد بن عبد الله القرشي قال فما لكم وله ؟ قالوا زعم لنا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه . قال ماذا رددتم عليه ؟ قالوا بالترحيب والسعة ، نخرجك إلى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا . قال بيحرة : ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشئ أشد من شئ ترجعون به بدأتم ( 1 ) ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة ، قومه أعلم به لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به ، أتعمدون إلى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه ؟ فبئس الرأي رأيتم . ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قم فالحق بقومك ، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك . قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقته فركبها ، فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فألقته . وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط ، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها ، فقالت يا آل عامر - ولا عامر لي - أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم ؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى بيحرة واثنين أعاناه ، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء " قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم : غطيف ( 2 ) وغطفان ابنا سهل ، وعروة - أو عذرة - بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم . وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه به . وهلك الآخرون وهم : بيحرة بن فراس ، وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير ، ومعاوية بن عبادة أحد بني عقيل لعنهم الله لعنا كثيرا . وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم . وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه . وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لأبي نعيم رحمهم الله - من حديث أبان بن عبد الله البجلي ( 3 ) ، عن أبان بن تغلب ( 4 ) ، عن عكرمة عن ابن عباس [ قال ] : حدثني علي بن أبي طالب قال : لما أمر الله رسوله [ ص ] أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، خرج وأنا معه ، وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم ، وكان أبو بكر مقدما في كل خير ، وكان رجلا نسابة ، فقال : ممن القوم ؟ قالوا من ربيعة ، قال : وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها ؟

--> ( 1 ) من الدلائل ، وفي الأصل بدءا ثم ، وهو تحريف . ( 2 ) في الدلائل غطريف . ( 3 ) وهو أبان بن أبي حازم البجلي الكوفي ، وثقه ابن معين والعجلي وابن نمير وقال الذهبي في الميزان 1 / 9 حسن الحديث ، قال ابن عدي : هو عزيز الحديث سرده ابن حبان في المجروحين . ( 4 ) في دلائل البيهقي : بن ثعلب .